رواية سيطرة ناعمة الفصل الرابع والثلاثون 34 كامل بقلم سوما العربي

لمحة نيوز

في اجتماع سري مغلق، جلس عزام وشقيقه فاخر مع المحامي الخاص بهما. الأوراق مفرودة أمامهم على الطاولة، وصمت ثقيل يخيّم على الغرفة. ارتشف المحامي آخر رشفة من فنجانه، ثم وضعه جانبًا وهو يهز رأسه ببطء:

– هممم، تمام تمام.

سأله فاخر، عيناه تلمعان بترقب:

– إيه الأخبار يا متر؟ في أمل نكسب القضية؟

أجاب المحامي بثقة:

– وأمل كبير كمان.

فاخر قفز من مقعده متحمسًا:

– بجد؟!

اعتدل المحامي، وأخذ نفسًا عميقًا:

– عندنا طريقين نقدر نمشي فيهم. الأول هو القانوني والمضمون، وهو إن الوصية دي باطلة وغير واجبة النفاذ لأنها مخالفة لأحكام الشريعة. أبوكم يقدر يوصي، لكن مش بأكتر من التلت. والباقي لازم يروح للورثة الشرعيين، بما فيهم حضرتكم.

أضاف بنبرة واثقة:

– في حالتكم، نقدر نرفع دعوى طعن، وبالنظر للمستندات، الغالب إن المحكمة تحكم لصالحكم.

عزام رفع حاجبه:

– يعني نرجع ناخد كل الميراث؟

– لا، التلت هيتنفذ فيه الوصية، والباقي يوزع حسب الشرع.

الاعتراض خرج من فم الأخوين في آن واحد:

– إحنا مش عايزين نتنازل عن تلت لحد.

فاخر قالها بحدة:

– دي فلوسنا، مش هنسيب منها ولا مليم.

ابتسم المحامي رغم التوتر:

– ولو كمان بنت رحيل هتشارككم في التلتين اللي خارج الوصية.

شهق عزام:

– نعم؟! يعني تاخد من التلتين والتلت؟! لا طبعًا. مش هنسمح بده أبدًا.

المحامي التقط نفسًا ثقيلًا، ثم قال:

في الحالة دي، نلعب على المساحة الرمادية. نثبت إن شروط الوصية ما تنفذتش. لو قدرنا نعمل كده، نطالب ببطلانها بالكامل.

خرجوا من المكتب ونفوسهم تغلي، لكن الاتفاق تم.

عزام تمتم بغضب:

– كده لونا وماهر متجوزوش، ما فاضلش غير جنا وابنك.

فاخر رد بحسم:

– جنا لسه صغيرة، وكمال مش ثابت على حاجة. لكن ابنك شكله بيرجع للبنت، ما صدقنا نخلص من القسيمة، يمكن يكتب عليها تاني.

عزام بصله بشك:

– انت عرفت ده منين؟ أنت بترائب ابني؟!

فاخر رد بلا مبالاة:

– وقت الجد، مفيش عيال... إحنا بندافع عن حقنا. لازم نكون متابعينهم خطوة بخطوة.

عزام زفر، لكن ما ردش. السكوت علامة الرضا.

في مكان آخر، كان ماهر واقف قدام لونا، عيناه تشتعلان بنار هادئة:

– عيدي تاني، قولتي إيه؟

قالت وهي تبلع ريقها بصعوبة:

– رفعت عليك قضية طلاق.

صمته كان أكثر رعبًا من الصراخ، لكن لما تكلم، كان صوته متوتر:

– طلاق؟! إنتي اتجننتي؟!

صرخت فيه:

– كفاية استفزاز! هو الذل بقى حنية؟! من أول لحظة وإنت بتكسر فيا، وأنا ساكتة.

حاول يتمالك أعصابه:

– خلصتي؟

– لأ. أنا كنت ضعيفة، لكن دلوقتي لأ.

اقترب منها وهو يهمس:

– انتي مراتي، وهتفضلي مراتي... مش بالسهل هتخلصي مني.

نظرت له بشجاعة:

– وأنا مش لعبة .

– طيب، عايزة كام للمحامي؟!

ردت ببرود:

– مش محتاجة فلوس. محتاجة أرتاح.

ابتسم بتحدي:

– شوفي هتلعبي مع مين.

في غرفة هادئة، كانت جميلة تجلس حزينة، الدموع تملأ عينيها. سمعت صوت والدها وهو يدخل منهكًا. سألته والدتها:

– مالك يا صلاح؟

قال بنبرة مكسورة:

– ماهر الوراقي فسخ الخطوبة.

جميلة شهقت بصوت مكتوم، وسقط الهاتف من يدها. وما إن انحنت تلتقطه حتى جاءت رسالة من رشيد:

"حابة أقابلك النهاردة. في كلام لازم يتقال."

قرأت الرسالة مرتين، واحتارت بين الرفض والفضول.

في نفس الوقت، عاد كمال إلى المنزل مرهقًا. هاتفه لا يتوقف عن الرنين، وتلك الفتاة التي تعرف عليها منذ أيام أصبحت كابوسًا. حظرها أكثر من مرة، لكنها تعود بحساب آخر. وهو يحتسي قهوته، لمح جنا تنزل من السلم ترتدي فستانًا أحمر قصير.

صرخ:

– إيه اللي انتي لابساه ده؟!

ردت بسخرية:

– وانت مالك مش بتروح شغلك؟

– فستان أحمر؟! انتي فاهمة بتعملي إيه؟

– ماهر شافه، وماما شافته، وانت مش وصي عليا.

– هتغيريه... غصب عنك.

– جو "انتي مراتي" ده مش هيشتغل معايا.

وقف لحظة، ثم قال:

– تمام. أنا قررت. مش هكمّل الجوازة دي.

جنا صُدمت، لكنه أكمل:

– مش هظلمك، ولا هظلم نفسي.

سكتت، لكن قبل ما ترد، كان راكب عربيته، ماشي وراها بيزعق:

– ارجعي البيت! بدل ما الناس تتفرج علينا!

في المساء، رجعت لونا للبيت مرهقة. استوقفتها الخادمة:

– ست نسرين عايزاكي.

تنهدت لونا، ثم دخلت. نسرين كانت مستلقية على الأريكة، بملامح جامدة.

– كل ده

عشان تيجيلي؟!

– كنت بتجنب المواجهة.

– اتغيرتي... برافو. بس خدي بالك، ما تدوسيش على ابني.

– طب واللي هو عمله؟!

– هو غلط، واعترف، وفسخ الخطوبة، ومستني يعلّن جوازكم رسمي.

سكتت لونا، وعيونها مليانة حيرة. دخل ماهر فجأة:

– مساء الخير على أجمل اتنين في الدنيا.

قبّل يد أمه، وسلم على لونا:

– استرونج إندبندنت بجد دلوقتي، ما شاء الله.

ردت لونا بجفاف:

– لو خلصت هزار، عندي شغل.

في الشركة، صباح اليوم التالي، دخل ماهر على الاجتماع فوجد لونا جالسة مكانه، والموظفين بيصفقوا:

– شكراً يا لونا هانم على زيادة المرتبات!

قال بانفعال:

– مين سمح بالهرجلة دي؟!

ردت بهدوء:

– أنا، عندي تفويض.

– تفويضك مش مفتوح، الميزانية مش مستحملة.

أنهى الاجتماع، وواجهها وجهاً لوجه:

– عايزة تلعبي؟ ماشي. عندك مشروع رأس الحكمة، راجعي أوراقه، وعملي بريزنتيشن. وريني بقى.

نظرت له بثبات:

– وريني انت كمان شطارتك.

وقف أمامها، نظراته تشتعل:

– قولي تاني؟! قولتي إيه؟

قالت بثقة:

– رفعت عليك قضية طلاق.

اقترب خطوة:

– انتي فاكرة إنك كده خلصتي مني؟! أنا اللي كاتب عليكِ، واللي بيربيكي، واللي يعرفك أكتر من نفسك.

– لا... إنت اللي ما تعرفش إني خلاص، وقعتك بقت جوه دماغي.

شد أنفاسه:

– مش هطلقك.

– مش هستناك تطلقني.

– المحكمة مش هتقبل.

– المحامي هيلاقي مدخل.

– باي يا لونا.

– لا، المرة

دي... أنا اللي هقول: باي يا ماهر.

خرجت من المكتب، وهو واقف بيكلم نفسه:

– باي يا ماهر؟! لأ، ده التحدي ابتدى!

فتح الخط:

– دينا... كلمي بهاء، ومعاه كل الملفات اللي طلبتها. واطلبيلي قهوة سادة.

ثم تمتم:

– اللي هزم ماهر... لسه ما اتولدش.

تم نسخ الرابط