رواية ليس لها ذنب الفصل الثامن 8 بقلم ميلي ميس
ليس لها ذنب
سليم (ببرود وقسوة، وهو بيبص لها بنظرة كلها تحكم):
ـ قولتي إيه الشرط بسيط…
تكوني ليا الليلة
نور اتجمدت في مكانها، قلبها دق بسرعة، ووشها اتسحب منه الدم، كأنها اتكهربت من الصدمة:
ـ إنت… إنت بجد واحد سافل !
سليم ضحك بسخرية، وقرب منها خطوة بخطوة، صوته كان هادي بس مرعب:
ـ سافل؟
ده اللي عندي يا نور…
يا إما تكوني مراتي بجد…
يا إما أخواتك يفضلوا في الشارع، وأختك الصغيرة تموت من غير عملية.
نور بدموع محبوسة، بتحاول تتماسك:
ـ إنت بتساومني؟!
سليم (ببرود بارد، وكأنه بيقلب في أوراق قديمة):
ـ لأ، أنا باخد حقي…
إنتي نسيتي إنك مراتي ؟
وأنا، خلاص، عاوز حقي ...
لو عايزة تساعدي عيلتك، يبقى الليلة
ولا تنسي، أنا مش أبوكي…
أنا لسه عندي قلب… بس بيشتغل على حسب اللي حواليا.
نور سكتت، دموعها نزلت بصمت… مش عارفة ترد… مش عارفة تصرخ…
كل اللي جواها كان بيتهز…
بين كرامتها… وأهلها
نور وهي بتحاول تمسح دموعها بصوت واطي ومكسور:
ـ تمام... أنا... أنا موافقة.
سليم ابتسم، ابتسامة كلها خبث وانتصار، وغمز بعينه:
ـ شاطرة… كده تعجبيني.
حست بقلبها بيخبط، مش من الخوف… من الانكسار.
سليم قرب أكتر، وقال بصوت واطي بس فيه غل واضح:
ـ فاكرة نفسك هتلعبي معايا؟ لأ… الليلة دي أنا اللي بلعب وانتِ الكارت في إيدي.
نور كانت بتحاول تلم نفسها، تبين قوية… بس جسمها كان بيرتعش، عينيها بتلمع بدموع القهر وهي بتهمس:
ـ إنت... مش بني آدم.
هو ضحك، ضحكة جامدة مافيهاش ذرة رحمة كأنه بينتقم مش بيقرب.
وفي اللحظة دي… كل حاجة
عيونها اتزحزحت ناحية السقف، بقت زي جسد من غير روح، كأنها انفصلت عن الواقع
في الصباح…
نور فتحت عنيها بصعوبة، ضوء الشمس اللي متسرّب من الشباك خبط في وشّها، بس الإضاءة مش اللي وجّعتها…
الوجع الحقيقي كان جوه قلبها، وجوا جسمها كمان.
بصّت حواليها بسرعة…
مكانه فمشي فتنهدت بارتياح
سليم مشي للشركة
عينيها غرقت دموع في لحظة، وبدأت ترجع بذاكرتها لليلة اللي فاتت…
كأنها كانت كابوس طويل، ولسه ماصحيتش منه.
حاولت تقوم من السرير، بس جسمها كان مرهق، متكسر، كأن كل خلية فيه بتصرخ.
سندت إيديها على الحيط، تمشي خطوة… والتانية بتوجع أكتر من اللي قبلها.
بس كانت عايزة توصل للحمّام… يمكن الميّة تطفّي نار اللي جواها.
دخلت الحمّام، وفتحت الميّة على الآخر…
وقفت تحتها سايبة شعرها يبلّ وهدومها تتغرّق،
مش قادرة تفرق بين الميّة وبين دموعها.
مدّت إيديها على رقبتها… على دراعها…
تحس إنها بتمحي جريمة… مش ذكرى.
نور بصوت مكسور، وهي بتهمس لنفسها:
"ليه يا رب؟… أنا عملت إيه عشان أستاهل كده؟
هو انتقامه يستاهل ينهيني؟
هو شايفني أنا… ولا بس بيشوف شبح أبويا؟"
فضلت واقفة تحت الميّة، دقيقة… واتنين… وثلاثة…
بس ولا وجع الجسد، ولا برد الميّة، كان بيعدل وجع القلب.
نور ما كانتش بتغسل جسمها بس…
كانت بتحاول تغسل كل حاجة جواها
في شركة الأسيوطي…
كان سليم قاعد على كرسيه الجلدي الفخم، رجله ما بطلتش تهتز، وعيونه شاخصة ناحية الأرض، بس دماغه مش هنا…
كان بيصارع نفسه.
سليم (في سره، بنبرة غليان):
"ليه حاسس بندم؟
ده
أكسرها… أدمرها…
أخليها تحس بنفس الوجع اللي أنا دوقته…"
قبض إيده فجأة، وصوته بدا داخليًا حاد أكتر، وعينيه لمعت بشر:
"دي كانت الخطة…
وأنا نفّذتها بالحرف.
أخدت أغلى ما تملك…
كسرْتها من جوه.
والدلوقتي؟ لازم أكمل… ما ينفعش أرجع ورا."
قلبه اتقل عليه… بس قبل ما يغرق أكتر في أفكاره السودا، خبط الباب خبطة خفيفة.
سليم بصوت جامد:
"ادخل."
فتح الباب، وطلع معتز… صديق عمره، وجوز أخته.
معتز وهو داخل بابتسامة كبيرة:
"ليك وحشة يا حبيب! فينك من زمان؟"
قام سليم بسرعة، وراح حضنه بقوة:
سليم وهو بيضحك لأول مرة من يومين:
"عاش من شافك يا صاحبي! إمتى جيت؟"
معتز:
"لسه واصلين النهارده.
العيلة قررت ترجع، وليلي هانم قالت نرجع معاهم…
قلت أجي أشوفك، وحشتني والله،
هما راحوا على القصر، وأنا جيت على هنا."
سليم وهو بيرجع يقعد وبيشاورله يقعد قدامه:
"نورت الشركة يا معتز…
احكيلي، عامل إيه؟"
معتز وهو بيقعد قدامه:
"أنا تمام… بس إنت؟
وشك مش مريحني… شكلك شايل الهم."
سليم سكت، ابتسم ابتسامة باهتة، وعيونه رجعت تسرح تاني…
بس المرة دي، كان فيه كلام كتير عايز يخرج…
بس هل يقدر يحكي؟ ولا هيكتم كعادته؟
في قصر الأسيوطي…
كانت نور لسه طالعة من الحمّام، شعرها مبلول وبينقط، لبست طقم بسيط ومرتب، وقررت تنزل تساعد الدادة فاطمة ونسرين في تحضير الغدا. نزلت السلم بخطوات هادية، لكن التعب باين على ملامحها… ، ده تعب القلب قبل الجسد.
وفجأة، جرس الباب رن.
الدادة فاطمة بسرعة: "أنا هفتح…"
راحت
الدادة بابتسامة صافية: "أهلا بعودتكم، نورتوا البيت يا حبايبي."
زمرد وهي داخلة بشياكة: "تسلمي يا فاطمة، وحشتينا كتير."
سمية قربت من سارة وهمست بنبرة سمّ: "بدي بس أفهم ليش بتعطي وش لهالخدامة؟"
سارة بصتلها بضيق، لكن ما ردتش.
ليلي كانت شايلة بنت صغيرة عندها حوالي أربع سنين، وماسكة بإيدها ولد في نفس العمر: "توحشتك يا دادة… عاملة إيه؟ وإزيها نسرين؟"
الدادة بفرحة: "الحمد لله يا بنتي… نورتوا البيت."
دخلوا الصالة، نسرين سلّمت عليهم، والعيال جريوا يلعبوا، والضحك ملأ المكان.
نور وقفت بتوتر، قربت وقالت بصوت هادي: "أهلا بعودتكم… الحمد لله على السلامة."
لكن أول ما سارة شافت العلامات على رقبة نور، الدم غلى في عروقها، ووشها ولع غضب. قربت منها بخطوات سريعة وقالت بغلّ وسخرية:
"انتي مفكرة نفسك صاحبة البيت ولا إيه؟ بتستقبلينا كده؟ فوقي يا بنتي… انتي مجرد خدامة، سليم اتجوزك عشان ينتقم منك مش أكتر… فاهمة؟ خدامة! وإوعى تفكري إنك بقيتي مراته بجد!"
نور سكتت، ما ردتش… بس نظراتها كانت مكسورة، قلبها اتخنق، راحت على المطبخ وهي بتكتم دموعها، وسابت سارة تغلي لوحدها.
سارة بصوت عالي وهي بتتبعها: "شوفتوا الحقيرة؟ ماشية ورافعه راسها! أنا هوريها! هروح أ..."
لكن فجأة، صوت زمرد جه وقطع كلامها، بنبرة فيها هيبة: "خلاص يا سارة! بكفي الحركات دي… خلي عندك كرامة واحترمي نفسك."
سارة وقفت مكانها، متفاجئة من لهجة زمرد، بس ما قدرتش ترد.
في المطبخ، كانت نور قاعدة
السكينة كانت بتقطع، بس قلبها اللي كان بينزف.