رواية ليته يعلم كاملة جميع الفصول بقلم شادية ماهر

لمحة نيوز

الجزء الأول من اسكريبت ليته يعلم.
كنت أختلس النظر إليه يوميا من نافذة غرفتي فهو جاري منذ الطفولة ويكبرني بخمس سنوات.
وها أنا أنظر إليه وهو يستعد للذهاب إلى عمله بملابسه الرسمية وقميصه الأبيض. ربما اليوم لاحظت تسريحة شعره مختلفة عن كل مرة.
يحيى ليتك تعلم مقدار الحب الذي يكنه قلبي لك.
طرق باب غرفتي فابتسمت لأنني علمت أنها هي وحمدا لله أن باب غرفتي كان مغلقا لأنها إن دخلت ورأتني عند النافذة لألقت علي محاضرة كاملة عن غض البصر للمرة... الألف ربما
فتحت الباب فدخلت وجلست على الأريكة تزامنا مع اغلاقي للباب وحينها قالت
إذا بأي مادة سنبدأ أولا
_ القرآن بالتأكيد يا رؤى فهو باليوم الأول.
أومأت رؤى لحديثي ثم جلسنا وقرأنا على بعضنا البعض كنا نتلو القرآن بحلاوة ولذة لم أشعر بهما من قبل.
ربما لأنها مرتي الأخيرة في الاختبار به فلقد اقتربت من التخرج كنت أقرأ بتلك الطريقة لأنني أشك أننا قد لا نجلس تلك الجلسة للقرآن مجددا أقرأ وكأني أودع جلساتي القرآنية مع رؤى التي لازمتي طوال مسيرتي الدراسية في الأزهر.
وكلامي هذا لا يعني أنني سأهجر القرآن حاشا لله بل لأن كلا منا سينفرد بحفظه وحده بعد التخرج عكس الاختبارات التي كانت تجمعنا دوما.
بعدما انتهينا أطلقت تنهدت طويلة. فجأة أدركت أنني سأكون قريبا في الرابعة والعشرين من عمري مر العمر سريعا ولم أشعر به.
ما الذي يشغل بالك يا روما
قطع صوتها حبل أفكاري مما جعلني ابتسم فورما ذكرت رؤى اسم روما ففي الواقع هو أول من لقبني به منذ صغري وكان هذا اختصارا لاسمي روميساء.
_ لا شيء شردت قليلا.
لا تخبريني أنه السبب
قهقهت فورما نطقت بذلك وأردفت
_ أتحسبين أن الكون يدور حول أخيك

بالطبع لا.
الكون لا يدور حول أخي لكن هناك قلب يدور حوله.
أسكتتني بردها صراحة مما جعلني أبتسم قائلة
_ على أية حال لا ليس السبب يحيى أخاك بل اكتشفت أننا اقتربنا من الرابعة والعشرين فحسب.
رفعت رؤى كتفيها بلا مبالاة وقالت
اشعري بهذا أنت فقط أنا سأتزوج بعد التخرج مباشرة بإذن الله عبد الرحمن لن يصبر أكثر من ذلك. مضت أكثر من سنة على الخطبة لذا لن يكون لدي اكتئاب بعد التخرج مثل تلك الأميرة التي تنتظر فارسها!
دفعتها بخفة بيدي نابسة
_ يالكلامك القاسي يا فتاة! اجعلي أخاك يسير خطوة واحدة فقط وبعدها ستنحل الأمور.
لاحظت سكوتها حينها وبدا على ملامحها الهدوء لكنها ابتسمت لي بكل ود وقالت
روميساء... إن أتى لك شخصا ترينه مناسبا توكلي على الله.
تعجبت قائلة
_ ولم تقولين ذلك
لم تجبني واكتفت بقول كلمة واحدة
لاحقا...
ثم أكملت حديثها قائلة
هيا لنكمل حفظنا.
أتى يوم الاختبارات الأول وها أنا أخطو بخطوات أخيرة نحو التخرج.
انتظرت رؤى تحت منزلها ريثما تنتهي من لف النقاب بينما أنا تفقدت خماري من خلال هاتفي ووجدت كل شيء بخير.
وفي خلال تلك الأثناء رأيته ينزل وكانت رؤى خلفه.
ابتسمت فألقى علي السلام وقال محدثا أخته
هل أوصلكما يا رؤى الجامعة في طريقي.
اتسعت عيناي بفرح لكن رؤى حطمت آمالي عندما نطقت بكلماتها
_ لا يا يحيى ستتأخر على عملك سنذهب نحن كما اعتدنا دوما فكما تعلم إنها اختباراتنا الأخيرة... نود توديع الطريق.
ضحك يحيى من حديث أخته وقال مقتنعا 
أقنعتيني يا رؤى فليحفظك الله.
ركب يحيى سيارته وتركنا واقفين حيث كنا.
كنت أتبعه بنظراتي مما جعل رؤى تقرص ذراعي قائلة بنبرة حادة
_ ألم أخبرك ألف مرة غضي بصرك ويحك يا روميساء
لا تعصي الله فيه... ستحرمين منه.
نفيت عدت مرات وقلت برجاء
لا لا تقولين ذلك رجاء!!
تنهدت هي ثم سرنا معا إلى الجامعة حيث ينتظرنا أول امتحان من آخر سنة دراسية لنا.
مضى اليوم الأول والثاني والثالث وإلى آخره.
في أيام الامتحانات كنت أحاول بأقصى جهدي أن أغض بصري كي لا يحرمني الله عز وجل منه.
كنت أقيم الليل وأبكي كنت أدعو به ليلا ونهارا... أحببته حبا جما... حبا لو وزع على أهل الأرض جميعا لفاض.
كانت رؤى تحذرني دوما من ذلك وتخبرني بألا أدعو بشخص بعينه لكن حبي له كان أكبر من ذلك.
وانتهينا من الاختبارات وتم تحديد موعد زفاف رؤى على خطيبها بعد شهرين من الآن.
وبينما كنت عائدة في يوم ما من منزل جدي لاحظت الأنوار التي تزين شرفة منزل رؤى. لم أعط للأمر أهمية وحدثت نفسي أنه بالطبع لأجل رؤى.
وحالما صعدنا إلى منزلنا أتت والدة رؤى إلى أمي. كنت في غرفتي حينها وخرجت لألقي السلام عليها.
سلمت عليها وجلست إلا أنها صدمتني حينما نبست بسعادة بالغة
أدعوكم جميعا لحفل خطبة يحيى ابني يوم الجمعة القادمة بإذن الله تعالى.
نظرت إليها وهي تتفوه بكلماتها وتوقف لدي الزمان حينها...
لم أستطع سماع مباركات أمي وأبي وأخي لها بل كان الصمت يسيطر على المشهد الذي أمامي.
ناظرت الجميع بنظرات تائهة... لكنهم كانوا سعداء وتزين وجوههم الابتسامات والضحكات... وأدركت أنني الوحيدة التي تتألم.
لم تمر سوى ثوان على هذه الحالة حتى وجدت رؤى واقفة أمامي بعدما فتحت لها أمي الباب.
نظرت إليها ورأيت عينيها تنظران إلي بنظرات مستسلمة.
لم أكن أعلم أن أمي ستذهب إليكم الآن صدقيني... لم أكن أعلم.
لم أبادلها العناق ولم أبك كنت جالسة بهدوء شديد... هدوء منافي
لكل ما أشعر به من حرقة وألم.
نظرت رؤى إلي بعيون دامعة ونبست
روميساء! قولي شيئا!
هل... هل يحيى... هل ما قالته أمك صحيحا
زادت رؤى في البكاء ولم تجب فصرخت قائلة
أهذا صحيح!
أجل! أجل يا روميساء أجل!
قهقهت بصوت عال وقلت متوسلة
رجاء لا تمازحيني يا رؤى... أنت تعلمين كم أحبه صحيح
لا أعلم لكم بقيت هكذا لأنني غفوت. استيقظت في صباح اليوم التالي وعيناي منتفختان من كثرة البكاء.
بقيت مستلقية مكاني ولم أتحرك... وحينها سمعت أصوات الزغاريط تتعالى من منزل رؤى كانت تلك الأصوات كخناجر تغرز في صدري.
مرت تلك الأيام قبل الخطبة ببطء شديد لم أكن أتناول طعامي جيدا ولا أشرب الماء... كنت أقضي كل يومي في النوم... أستيقظ للصلاة فقط ثم أعود للنوم مجددا... هكذا كانت تمر أيامي. كانت عائلتي متعجبة من حالي... لكن رؤى بررت لهم أنه اكتئاب ما بعد التخرج.
حتى أتى ذلك اليوم... دخلت علي والدتي بابتسامة قائلة
ألن تأتي يا روما
روما لا لا أريد سماع ذلك اللقب مجددا يا أمي رجاء.
وضعت يدي على أذني وبكيت مما أفجع ذلك والدتي وأتت تمسد على رأسي نابسة بذعر
هل تتألمين يا بنيتي هل نذهب للطبيب
نفيت لها برأسي وأنا أحاول رسم ابتسامة خفيفة لأطمئنها وقلت
_ مجرد صداع فقط.
وهمست بكلمات لن تسمعها
_ لن يستطيع الطبيب مساعدتي يا أمي الألم هنا في صدري... في قلبي.
تناولي غداءك وسأعطيك مسكن هيا فلنتجهز لنذهب لخطبة يحيى.
أومأت لها محاولة إبقاء تلك الابتسامة المزيفة على وجهي وعندما خرجت عانقت وسادتي وأنا أطلق شهقاتي المتتالية.
أتت الساعة الثامنة مساء تناولت قطعة من الخبز وأخذت المسكن كي أرضي أمي فحسب.
واعتذرت من عائلتي أنني لن أستطيع الذهاب... لأنني
مازلت متعبة.
حينها استقام والدي وقال بحدة
بالتأكيد لن تجلسي وحدك في البيت يا روميساء
تم نسخ الرابط